التبرير فى علم النفس هو نوع من الكذب ولكنه فى اللاوعى ، وهو حيلة من الحيل أو آلية من الآليات الدفاعية التى تبرر بها النفس حيادها عن الحق والعدل وتتهرب بها من الوقوف المباشر أمام عجزها أو ضعفها عن تحمل التكاليف المفروضة عليها إزاء ذلك الموقف أو ذاك .
ويساعد ويدعم الكذب فى اللاوعى عند أصحاب ثقافة التبرير أن لثقافة التبرير دائما أصلاً صحيحاً يتم استخدامه بشكل مغلوط . والحرفية المطلوبة فى ممارسته هو استخدام خداعى لفظى أو فقهى قد يسوغ الإسقاط المطلوب . ووجود ذلك الأصل ركن أساسي فى ممارسات ثقافة التبرير .
وعلى ذلك فإن أى أمة تتربى وتتشكل على ثقافة التبرير وعقلية الحيل التى تجد لأصحاب النفس الضعيفة مخرجا بتأويل فاسد ومهربا من تحمل تبعات ومسئوليات يفرضها منطق المواجهة هى أمة أبدا لن تستفيد من تجاربها ولن تملك القدرة على المراجعة والتقييم لأحداثها ومواجهة النفس بأسباب السقوط وشحن الهمم بعوامل النهضة والتحدى فالأمم والتجمعات الواعية حين تشعر بأزمة معينة أو خلل فى الأداء ونفص فى الفاعلية والانجاز فإن أول شئ تفعله هو القيام بتشخيص لقيم الثقافة السائدة والنظم التربوية القائمة . وهذا ما فعلته بريطانيا حين رأت التفوق الألمانى خلال الحرب العالمية الثانية ، وما فعلته الولايات المتحدة حين رأت الاتحاد السوفيتى يسبقها فى النزول على سطج القمر ، وما تفعله حالياً لدراسة عوامل الفاعلية فى التجربة اليابانية . وكل بلد نجح فى الخروج من أزماته ومجابهة تحدياته بدأ بفحص النظم التربوية والثقافة السائدة ، وما نجحت دولة أو منظمة أو حزب أو مؤسسة فى برامجها إلا بعد اعتماد مبدأ المراجعة والتقييم الدورى لمبادئها وأفكارها واختيار صلاحية هذه المبادئ للظرف الزمنى والمكانى ، ووضع مجموعة الأخطاء التى كشفت عنها الممارسة العملية تحت المراجعة والتقييم ، وهذا - المراجعة والتقييم - ما يسقط بالكلية فى بيئة محكومة بثقافة التبرير لم أملك تفسيرا لظاهرة سجلتها على أطفال بيئتنا المعاصرة ، تلك التى تمثلت فى المسارعة الى التبرير عند المواجهة بالخطأ إلا عندما اطلعت على قاون فى علم الوراثة يقول : " إن الصفات المكتسبة بالمعايشة والممارسة تنقلب الى صفات وراثية " ويؤكد علم الوراثة أن البيئة تغلب الوراثة وفى ظلال ذلك المعنى يفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " أى أن الصفات المكتسبة تورث. ما أروع ثقافة المواجهة بالخطأ والتقييم والمراجعة على أساس القوانين والنواميس التى لا تحابى أحدا حتى لو كان مؤمناً . وما أحوجنا فى هذا المجال المهم والخطير الذى نعمل فيه – مجال الصحة – وفى ظل التحديات التى نواجهها جميعا لأن نحارب فيما بيننا هذه الثقافة - ثقافة التبرير – واعتماد مبدأ المراجعة والتقييم